السيد محمد حسين فضل الله

18

من وحي القرآن

يطلقوا عقولهم للتفكير بالقضايا المتصلة باللّه والكون والحياة والإنسان ليهتدوا بهدى العقل ، بما تستقل به عقولهم في إدراك الأمور ، أو ليهتدوا بهدى الوحي الذي يسمعونه من الرسول ، وقد أدى هذا الوضع إلى وجودهم في هذا المكان الذي يمثل المصير الأسود ، وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ وقيل : إن تقديم السمع على العقل لأن استعماله من شأن عامة الناس ، وهم الأكثرون ، والعقل شأن الخاصة وهم آحاد قليلون . وربما كان الأساس في ذلك هو أن السؤال الموجه إليهم كان عن النذير الذي أتاهم فكذبوه من دون أن يسمعوا له أو يحركوا عقولهم في التفكير بأمره وبدعوته ، مما يجعل القضية تعيش في نطاق السمع في البداية . فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ وهم يعيشون في أجواء الندامة القاتلة بعد أن استعادوا تلك المرحلة من تاريخهم في الحياة الدنيا ، وكيف استسلموا للعناد والمكابرة ضد الحق ، استكبارا وعتوّا فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ الذين يواجهون العذاب من موقع الاستحقاق فلا يستحقون رحمة من اللّه لهم ، ولا يتعلقون بأيّ حبل من حبال المغفرة ، لأنهم كفروا باللّه ، وكذّبوا الرسل ووقفوا بين الناس وبين الإيمان فأساءوا إلى الناس وإلى الحياة كلها ، حيث ابتعدوا بهم وبها عن الصراط المستقيم . ولهذا كانت كلمة السحق التي تمثل ذروة العنف المنبثق عن الغضب ، هي الكلمة التي يستحقونها هناك . المغفرة والأجر للذين يخشون الله إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وهذا هو النموذج الآخر للذين يستمعون إلى الرسالة والرسول ، فيواجهون الموقف بمسؤولية